مدارك التنزيل وحقائق التأويل لأبي البركات حافظ الدين عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت 710هـ)

يعد كتاب مدارك التنزيل من أجود ما ألف في فهم كتاب الله عز وجل، وهو كتاب جليل في تفسير القرآن، وسط في التأويلات، جامع لوجوه الإعراب والقراءات، متضمنا لدقائق علم البديع والإشارات، متحليا بأقاويل أهل السنة والجماعة، خاليا من أباطيل أهل البدع والضلالة، ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل، طبع  الكتاب قديما في جزأين بمومباي بالهند سنة 1279هـ  ثم طبع بمصر سنة 1306هـ وقد تعددت طبعاته بعد ذلك إلى أن طبع في ثلاثة أجزاء، وقد حقق الكتاب كاملا تحقيقا علميا في عدة رسائل جامعية، وقد جعل المؤلَّف في 1248 صفحة من الحجم المتوسط في مجلدين عاديين، ولمكانة الكتاب العلمية وشهرته بين طلاب العلم، كان عليه المعول والاعتماد في دراسة التفسير في جملة من معاهد العلم الشرعي بالعالم الإسلامي مدة طويلة من الزمن. والطبعة التي بين أيدينا بتحقيق : يوسف علي بديوي، راجعه وقدم له محي الدين ديب مستو، اونشر بدار الكلم الطيب بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ / 1998م في ثلاثة أجزاء.

جاء كتاب مدارك التنزيل كما قال فيه مؤلفه: (كتابا وسطا في التأويلات، جامعا لوجوه الإعراب والقراءات... ) وهو على قصره ووجازته كفيل بأن يكون العمدة وعليه الاعتماد كما سبق ذكره، وهو مختصر من تفسير البيضاوي، ومن الكشاف لجار الله الزمخشري، وقد جمع بين محاسنهما، وما يزيد الدارسين إقبالا على الكتاب لأن مؤلفه لا يخوض في المسائل النحوية إلا بلطف وذلك درءا للعنت والإشكال وعدم وضوح الرأى التي من شأنها أن تعترض القارئ الدارس المطلع، فيلتزم الإمام النسفي رحمة الله عليه في مؤلفه بأسلوب غاية في المثالية، إذ يعض بنواجده على القراءات السبع المتواترة مع عزو كل قراءة إلى قارئها، ويعرض للمذاهب الفقهية باختصار عند تفسير آيات الأحكام، ويوجه الأقوال بدون توسع، وينتصر لمذهبه الحنفي في كثير من الأحيان، ويرد على من خالفه، ويندر فيه ذكر الإسرائيليات، يتعقبها ثم يرفضها.

ولم يتطلع الإمام النسفي رحمة الله عليه في تفسيره إلى توضيح ما هو ظاهر جلي لدى القراء عموما، وإنما كان ديدنه الحرص على إزالة الغموض والإشكال عن بعض المعاني التي لم يبذل في فهمها الوسع لبلوغ الغرض، فكان أدرى بمواطن العتمة التي تصد عنها الطلبة والدارسين، ولئن كان حرصه على هذا الجانب قد بلغ سيله الزبى، فإن اهتمامه بعرض أوجه القراءات وإبراز معانيها وما تخللتها من أسرار كان له اليد الطولى كذلك تحت رواق منهجيته الفريدة من نوعها، فكان إبرازه لبعض المعاني الخفية من كلام الله عز وجل وإيراد أوجه الاختلاف فيها بين الفقهاء جعلته متميزا وقاد القريحة بلا شك.

السابق
سلامة القرآن من التحريف وتنزيهه عن الباطل
التالي
معجم الأعلام والموضوعات في القرآن الكريم للدكتور عبد الصبور مرزوق (ت 1429هـ/ 2008م)